في خطوة تعكس توجهاً استراتيجياً حذراً، دعت الصين إلى كبح جماح "الاستثمار المفرط" و "المنافسة العشوائية" في قطاع الذكاء الاصطناعي، رغم تصنيفه كمحرك أساسي لنمو الاقتصاد الوطني ومجال تنافسي حاسم مع الولايات المتحدة.
وأكد تشانج كايلين، المسؤول البارز في اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح _وهي أعلى جهة تخطيط اقتصادي في البلاد_ أن بكين ستتخذ نهجاً منسقاً ومتكاملاً لتطوير الذكاء الاصطناعي عبر مختلف المقاطعات، مع التركيز على استثمار المزايا والموارد الصناعية المحلية لكل منطقة لتفادي تكرار الجهود، محذراً من "اتباع القطيع" في الاستثمار دون تخطيط مدروس.
وجاءت هذه التصريحات في ظل انكماش الصناعات التحويلية في الصين للشهر الخامس على التوالي، مما يعكس الضغوط التي يواجهها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، حيث يحاول صانعو السياسات تجنب تكرار أخطاء سابقة كتلك التي حدثت في قطاع السيارات الكهربائية، والتي أدت إلى فائض في الطاقة الإنتاجية وضغوط انكماشية لاحقاً.
وكان الرئيس الصيني شي جين بينغ قد حذر الشهر الماضي أيضاً من اندفاع الحكومات المحلية نحو الذكاء الاصطناعي دون تخطيط محكم، في مؤشر واضح على رغبة القيادة الصينية في ضبط وتيرة النمو في هذا القطاع الحيوي.
و رغم هذه التحذيرات، لا تزال الصين ماضية في تسريع تطوير وتطبيق وحوكمة الذكاء الاصطناعي، حيث كشفت الحكومة الأسبوع الماضي عن خطة عمل جديدة تهدف إلى تعزيز هذا القطاع، تتضمن دعماً كبيراً للشركات الخاصة وتشجيع ظهور شركات ناشئة قوية قادرة على المنافسة العالمية، فيما وصفته اللجنة الوطنية بأنه سعي لظهور "أحصنة سوداء" في سباق الابتكار ، في إشارة ضمنية إلى قصص نجاح بارزة مثل شركة ديب سيك الصينية.
وقد حصدت ديب سيك شهرة دولية في وقت سابق من هذا العام بعد إطلاقها نموذج ذكاء اصطناعي قوي ومنخفض التكلفة، منافساً لنماذج كبرى الشركات الأمريكية، ما أشعل موجة من الاهتمام المحلي والدولي بالتقنيات الصينية.
وفي سياق آخر، أظهر تحليل منفصل لوكالة بلومبرج أن شركات التكنولوجيا الصينية تخطط لتثبيت أكثر من 115 ألف شريحة ذكاء اصطناعي من إنتاج شركة إنفيديا الأمريكية في مراكز بيانات ضخمة يتم إنشاؤها في المناطق الصحراوية غرب الصين، في دليل على استمرار السعي لبناء بنية تحتية قوية للذكاء الاصطناعي رغم القيود التنظيمية.
تأتي هذه الخطوات في وقت تسعى فيه بكين إلى تحقيق التوازن بين دعم الابتكار التكنولوجي وبين ضبط الفوضى الاستثمارية، في محاولة لصياغة مسار أكثر استدامة لنمو الذكاء الاصطناعي ضمن الرؤية الاقتصادية الكبرى للصين.