الخدر العاطفي في عصر الشاشات: حين تتحول معاناة البشر إلى مجرد محتوى عابر
15 يناير 2026402 مشاهدةوقت القراءة: 2 دقيقة

حجم الخط:
16
غيّرت العادات الرقمية الحديثة جذريًا طريقة استجابة الإنسان للألم الإنساني والمسؤولية الاجتماعية، إذ باتت المآسي تُستهلك عبر الشاشات بدل التفاعل معها في الواقع. هذا التحول، وفق علماء النفس، أدى إلى ما يُعرف بـ**«الخدر العاطفي»**، حيث يضعف التعاطف ويتراجع الإحساس بالمساءلة تجاه معاناة الآخرين.
الألم المتكرر يفقد أثره
يشير خبراء علم النفس، نقلًا عن موقع «سايكولوجي توداي»، إلى أن التعرض المستمر لصور العنف والمآسي والإذلال عبر الشاشات يقلل من الإحساس بالإلحاح العاطفي. فالعقل، مع التكرار، يتعلم التعامل مع الألم الواقعي كما لو كان مجرد محفز بصري آخر، لا يستدعي استجابة فعلية.
ويشبّه المختصون هذه الحالة بأنماط سلوكية تظهر لدى بعض المجرمين، الذين تعلموا قمع مشاعرهم الخاصة، ما يجعلهم أكثر قدرة على تجاهل معاناة الآخرين دون تأنيب ضمير.
ثقافة المشاهدة بدل المساعدة
وتفسر نظرية التعلم الاجتماعي هذا الانفصال العاطفي، إذ إن المجتمعات التي تكافئ تصوير الألم ونشره بدل التدخل للمساعدة، تدفع الأفراد إلى تبني السلوك ذاته.
في هذا السياق، يتضخم ما يُعرف بـ**«تأثير المتفرج»** في العصر الرقمي؛ فالهواتف الذكية تخلق وهم توزيع المسؤولية، حيث يتحول كل من يمكنه المساعدة إلى مجرد مشاهد، ما يرفع مستويات التسامح مع العدوان والإهمال والاستغلال داخل المجتمعات منخفضة التفاعل.
غياب الاتصال الإنساني
من زاوية أخرى، تؤكد نظرية التعلق أهمية الوجود البشري المتنبه في بناء التعاطف. فالأطفال الذين ينشؤون مع والدين متجاوبين عاطفيًا يطوّرون قدرة أفضل على التنظيم العاطفي والتعاطف.
غير أن البالغين أيضًا يحتاجون إلى تجارب إنسانية مماثلة للحفاظ على هذه القدرة. إلا أن الثقافة الرقمية الحديثة تقوّض ذلك، من خلال استبدال التفاعل الإنساني الحقيقي بتفاعلات سطحية، ما يضعف القدرة على قراءة الإشارات العاطفية والاستجابة لها بوعي.
كيف نعيد بناء التعاطف؟
يشدد الخبراء على أن معالجة هذا الخلل تتطلب العودة إلى التفاعل البشري المباشر. فالممارسات التصالحية والإصلاح الاجتماعي تقوم على الاعتراف بالمعاناة، والاستماع، ومواجهة الحقائق العاطفية، وهي عمليات لا تستطيع الشاشات محاكاتها.
ويؤكد المختصون أن الإيماءات البسيطة – مثل مساعدة شخص في ضيق أو الإنصات له بصدق – تترك أثرًا عميقًا في إعادة بناء التعاطف وتعزيز مرونة المجتمع.
الوجود قبل المشاركة
ولبناء مجتمعات أكثر أمانًا وإنسانية، يدعو الخبراء إلى استعادة جوهر التواصل: رؤية الآخرين، الاعتراف بوجودهم، والاستجابة لألمهم. فالمساءلة الحقيقية، كما يؤكدون، لا تبدأ بزر الإعجاب أو المشاركة، بل تبدأ بالوجود الإنساني الصادق.