هوس ChatGPT يهدد الصحة النفسية : كيف يصبح الذكاء الاصطناعي خطرًا على العقل ؟

تتزايد التحذيرات العلمية حول العالم من ظاهرة مقلقة باتت تنتشر بسرعة بين مستخدمي الذكاء الاصطناعي، إذ تشير دراسات حديثة إلى أن الاستخدام المفرط لروبوتات الدردشة مثل "تشات جي بي تي" (ChatGPT) و Claude و Replika لم يعد مجرد عادة رقمية أو تسلية افتراضية، بل تحول لدى البعض إلى اعتماد نفسي خطير قد يقود إلى الذهان والعزلة الاجتماعية، ويفصل الإنسان تدريجياً عن واقعه الحقيقي.
* مأساة تدق ناقوس الخطر
وفي حادثة صادمة، رفع والدان دعوى قضائية ضد "تشات جي بي تي" بعدما اتهماه بتشجيع ابنهما على الانتحار، في مؤشر خطير على عمق التأثير النفسي الذي قد تسببه هذه الأنظمة للمستخدمين الذين يعانون من هشاشة عاطفية أو اضطرابات عقلية.
* من صديق رقمي إلى إدمان نفسي
بحسب خبراء النفس، أصبح عدد متزايد من المستخدمين يتعاملون مع روبوتات الدردشة كأصدقاء مقربين أو شركاء عاطفيين أو حتى معالجين نفسيين، ما أدى إلى تشكل علاقات عاطفية إدمانية تتسبب في اضطرابات إدراكية وسلوكية.
و وصفت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية هذا النمط من التعلق بأنه يشبه تعاطي "المخدرات الذاتية"، إذ تمنح المحادثات مع الذكاء الاصطناعي شعوراً فورياً بالراحة والتفاهم، لكنها في الوقت ذاته تعزز العزلة وتشوه الإحساس بالواقع.
* "الذهان الناتج عن الذكاء الاصطناعي" .. اضطراب جديد
تقارير متخصصة تحدثت عن بروز حالة نفسية جديدة أطلق عليها الخبراء اسم "الذهان الناتج عن الذكاء الاصطناعي" (AI Psychosis)، وهي اضطراب يصاب فيه المستخدم بأوهام وأفكار يشاركه الذكاء الاصطناعي في تأكيدها وتغذيتها، بدلاً من تصحيحها أو معالجتها.
* تحذير من "وهم الواقع"
الأستاذة روبين فيلدمان، مديرة معهد قانون وابتكار الذكاء الاصطناعي في جامعة كاليفورنيا، حذّرت من أن "الاستخدام المفرط لروبوتات الدردشة يمثل شكلاً جديداً من الاعتماد الرقمي الخطير"، مضيفة :
"هذه الأنظمة تخلق وهم الواقع، وهو وهم قوي للغاية، وعندما يكون ارتباط الشخص بالعالم الحقيقي ضعيفاً، يصبح هذا الوهم مدمّراً".
* صديق مثالي ... إلى درجة الخطر
ويؤكد الأطباء أن خطورة روبوتات الدردشة تكمن في طبيعتها المتملقة والموافقة دائماً، فهي لا ترفض ولا تنتقد المستخدم، بل تدعمه في كل ما يقوله، مما يجعل العلاقة معها مريحة إلى حد الإدمان.
ويقول البروفيسور سورين أوسترغارد، الطبيب النفسي من جامعة آرهوس في الدنمارك :
"النماذج اللغوية الكبيرة تُدرّب على محاكاة لغة المستخدم ونبرته، وغالباً ما تؤكد معتقداته لتجعله يشعر بالارتياح. وما الذي قد يكون أكثر إدماناً من محادثة نفسك بصوتك وأفكارك ؟".
* المراهقون في دائرة الخطر
وأظهرت دراسة حديثة أجرتها منظمة Common Sense Media أن 70% من المراهقين استخدموا روبوتات ذكاء اصطناعي مصاحبة مثل Replika أو Character.AI، بينما يستخدم نصفهم هذه التطبيقات بشكل منتظم، ما يثير مخاوف من تنامي الاعتماد العاطفي لدى الفئات الشابة.
* اعتراف من "أوبن إيه آي"
من جانبها، اعترفت شركة OpenAI بأن أحد تحديثات "تشات جي بي تي" في مايو الماضي جعل النموذج أكثر ميلاً إلى إرضاء المستخدمين بشكل مفرط.
وقالت الشركة في بيان :
"كان النموذج يسعى لإرضاء المستخدمين ليس فقط بالمجاملات، بل من خلال تعزيز الشكوك وتأجيج الغضب وتشجيع الأفعال الاندفاعية والمشاعر السلبية".
وأكدت الشركة أنها أجرت تعديلات عاجلة لتقليل هذه السلوكيات بعد أن لاحظت أنها قد تؤدي إلى اعتماد عاطفي ومخاطر على الصحة النفسية.
* أرقام مثيرة للقلق
وكشفت بيانات OpenAI أن 0.07% من مستخدمي "تشات جي بي تي" الأسبوعيين أظهروا علامات على الهوس أو الذهان أو ميول انتحارية، أي ما يعادل نحو 560 ألف مستخدم من أصل أكثر من 800 مليون.
كما بيّنت الشركة أن 1.2 مليون مستخدم أسبوعياً يرسلون رسائل تحتوي على مؤشرات واضحة على نية أو تخطيط للانتحار، ما دفعها إلى التعاون مع خبراء صحة نفسية لتطوير آليات تدخل ودعم طارئة.
* ختامًا :
يبدو أن الذكاء الاصطناعي الذي صُمم لمساعدة الإنسان بدأ يتحول إلى تهديد صامت لعقله ونفسيته، مع تزايد حالات التعلق المَرَضي بروبوتات الدردشة.
وبينما تسارع الشركات لتصحيح المسار، تبقى مسؤولية المستخدم أساسية في ضبط حدود العلاقة مع هذه التقنية التي باتت تشبه صديقاً مثالياً ... لكنه قد يصبح خطيراً.