صدمة الذكاء الاصطناعي تهز وول ستريت وتفقد أسهم التكنولوجيا تريليون دولار

في واحدة من أعنف الهزّات التي تشهدها أسواق المال منذ سنوات، تبخّر ما يقارب تريليون دولار من القيمة السوقية لأسهم شركات التكنولوجيا العالمية خلال أيام معدودة، وسط تصاعد غير مسبوق لمخاوف المستثمرين من أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة … بل منافس يهدد نماذج الأعمال نفسها.
الانهيار الذي ضرب أسواق الأسهم والائتمان هذا الأسبوع يُعد الأوسع منذ ظهور برنامج ChatGPT وانتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع قبل ثلاث سنوات.
و رغم أن الأسواق شهدت سابقاً موجات بيع مرتبطة بالحماس أو القلق من الذكاء الاصطناعي، فإن ما حدث هذه المرة كان مختلفاً من حيث السرعة والاتساع والعمق.
* سبعة أيام كانت كافية لمحو مئات المليارات
خلال يومين فقط، مُسحت مئات المليارات من الدولارات من قيمة أسهم وسندات وقروض شركات التكنولوجيا الكبرى والصغرى في وادي السيليكون.
وكانت شركات البرمجيات في قلب العاصفة، حيث تراجعت أسهمها بقوة دفعت القيمة الإجمالية للأسهم المدرجة في صندوق iShares المتداول في البورصة إلى الانخفاض بما يقارب تريليوندولار خلال سبعة أيام فقط، وفق بيانات نقلتها وكالة بلومبرغ.
لكن اللافت في هذا الانهيار أنه لا يرتبط بمخاوف فقاعة مالية تقليدية، بل بشيء أكثر عمقاً وخطورة :
الخوف من أن الذكاء الاصطناعي بات قادراً على استبدال نماذج أعمال كاملة لشركات لطالما اعتُبرت محصنة أو رائدة في الابتكار.
* الشرارة : أداة قانونية … والصدمة أكبر من المنتج
الشرارة الأولى بدت للوهلة الأولى عادية ؛ فقد أعلنت شركة أنثروبيك الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي عن إطلاق أداة جديدة موجهة للأعمال القانونية، مثل مراجعة العقود.
المنتج بحد ذاته لم يُنظر إليه على أنه اختراق ثوري فوري، لكن توقيته كان قاتلاً للأسواق.
فبعد عام واحد فقط من إسهام أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في إحداث تحول جذري في تطوير البرمجيات، أصبح المستثمرون أكثر حساسية لأي إشارة تعني أن الذكاء الاصطناعي قد يتمدد سريعاً إلى مجالات أخرى.
وكتب المحلل في بنك كي بانك، جاكسون أدير :
"إذا كانت هذه الأدوات تُستخدم اليوم في التكنولوجيا القانونية، فقد نراها غداً في المبيعات أو التسويق أو التمويل".
* حتى عمالقة الذكاء الاصطناعي تحت الضغط
ما زاد من حدة الذعر أن الشركات التي كانت تُعد الرابح الأكبر من ثورة الذكاء الاصطناعي بدأت تظهر عليها علامات إجهاد واضحة.
ففي تقارير الأرباح الأخيرة :
• أعلنت ألفابيت (الشركة الأم لغوغل) أن إنفاقها الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي سيكون أعلى من المتوقع.
• أصدرت آرم هولدنغز توقعات إيرادات أقل من تقديرات السوق.
النتيجة كانت فورية : هبوط حاد في أسهم الشركتين خلال التداولات المسائية.
ويقول جيل لوريا، المدير الإداري في شركة D.A. Davidson :
"بدأنا ببيع أسهم البرمجيات فقط، ثم تحوّل الأمر إلى بيع كل شيء. وعندما تهبط الأسهم بقوة، يتولد زخم سلبي يدفع المزيد من المستثمرين إلى الخروج".
* العدوى تنتشر عالمياً : من لندن إلى طوكيو
لم يقتصر التراجع على الولايات المتحدة. فقد :
• هبطت أسهم مجموعة بورصة لندن،
• وتراجعت أسهم تاتا للاستشارات وإنفوسيس في الهند، وسط مخاوف من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل خدمات تقدمها هذه الشركات.
كما امتدت الخسائر إلى داعمي القطاع في وول ستريت، من المقرضين إلى شركات الأسهم الخاصة، حيث انخفضت قروض شركات التكنولوجيا الأميركية المدرجة في مؤشر بلومبرغ _والتي تتجاوز قيمتها 17.7 مليار دولار_ إلى مستويات تداول متدنية خلال الأسابيع الأربعة الماضية.
وفي آسيا، تفاقمت الضغوط يوم الخميس بعد :
_ تراجع سهم سامسونغ للإلكترونيات، ما أدى إلى هبوط أحد أفضل مؤشرات الأسهم أداءً عالمياً،
_ وانخفاض سوق تايوان الذي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا،
_ وتأثر أسهم سوفت بنك غروب سلباً في طوكيو بعد تحذير شركة Arm بشأن المبيعات.
* قلق نظري … لكنه مرشح للتحول إلى واقع
رغم قتامة المشهد، لا يزال بعض القلق نظرياً حتى الآن ؛ فشركتا سيلزفورس وسيرفيس ناو لم تُخفقا في تحقيق أرباح أقل من المتوقع، ولم تُبلغا وول ستريت بأن الذكاء الاصطناعي تسبب في خسارة عملاء فعليين.
لكن الواقع لا يخلو من إشارات مقلقة. فبعد سنوات من تطوير أدوات ذكاء اصطناعي داخلية، و وعود باستخدام آمن يعتمد على بيانات العملاء، جاءت النتائج دون الطموحات ؛
فقد كشفت مايكروسوفت الأسبوع الماضي أن عدد المستخدمين المدفوعين لأداة Copilot بلغ 15مليون مستخدم فقط، وهو رقم ضئيل مقارنة بقاعدة مستخدميها التي تضم مئات الملايين.
* إعادة تموضع كبرى.… والرابحون لم يتحددوا بعد
يرى مراقبون أن ما يحدث ليس انهياراً عابراً، بل بداية مرحلة إعادة رسم مراكز القوة في قطاع التكنولوجيا.
ويقول ديك مولاركي، المدير الإداري في شركة SLC Management :
"هذا العام سيكون مثيراً للغاية. ما نشهده الآن هو المراحل الأولى من إعادة التموضع، لتحديد من سيكون الرابح ومن سيكون الخاسر، ومن سيكون الأكثر عرضة للخطر".
بين الذكاء الاصطناعي الذي يعد بثورة إنتاجية غير مسبوقة، والأسواق التي تخشى أن تلتهم هذه الثورة شركات بأكملها، تقف وول ستريت اليوم أمام سؤال مصيري :
هل الذكاء الاصطناعي هو فرصة القرن … أم أكبر تهديد عرفته التكنولوجيا الحديثة ؟