يكشف التراشق بين دونالد ترامب وكامالا هاريس انقسامًا يتجاوز حدود التنافس الانتخابي، ليعكس خللًا أعمق داخل بنية القرار الأمريكي، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع اعتبارات الأمن القومي في لحظة دولية شديدة الحساسية.
ولا يظهر هذا الانقسام في الخطاب فقط، بل يمتد إلى كيفية تعريف دور الولايات المتحدة عالميًا، خاصة في ما يتعلق بعلاقتها مع إسرائيل. فبينما يتبنى ترامب دعمًا غير مشروط مدفوعًا بحسابات سياسية وانتخابية، تحاول هاريس إعادة ضبط هذا الدعم ضمن مقاربة أكثر حذرًا، توازن بين الالتزام بالحلفاء وتفادي الانزلاق إلى صراع أوسع.
لكن فهم هذا التباين لا يكتمل دون النظر إلى طبيعة صنع القرار في واشنطن، حيث لا يقتصر على البيت الأبيض، بل يتوزع بين مؤسسات متداخلة تشمل البنتاغون والكونغرس وشبكات الضغط. هذا التشابك يجعل السياسة الخارجية أقل خضوعًا لقرار فردي، وأكثر عرضة للتأثر بتوازنات داخلية معقدة.
في هذا السياق، لا تبدو الحروب دائمًا نتيجة قرار مباشر، بل حصيلة مسار تدريجي من التصعيد، حيث تتراكم المواقف والتقديرات الخاطئة. ويعيد استحضار تجربة العراق التذكير بكيف يمكن لمبررات محدودة أن تقود إلى انخراط عسكري طويل ومكلف.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع دخول العامل الاقتصادي، الذي لا يعمل فقط كقيد على القرار، بل قد يتحول إلى دافع غير مباشر، في ظل ارتباط الصناعات الدفاعية بمراكز النفوذ، ما يخلق تقاطعًا بين المصالح الاقتصادية والسياسية.
إلى جانب ذلك، تضيف الانتخابات بعدًا آخر من الضغط، حيث يوظف ترامب خطاب القوة لتعزيز صورته كقائد حاسم، فيما تراهن هاريس على تقليل المخاطر، ما يحوّل السياسة الخارجية إلى أداة في الصراع الداخلي، ويزيد من احتمالات اتخاذ قرارات تحت ضغط انتخابي.
نتيجة لذلك، تبدو الدبلوماسية الأمريكية اليوم في حالة هشّة، إذ تركز الجهود الجارية على احتواء التصعيد أكثر من تقديم حلول جذرية، ما يبقي الباب مفتوحًا أمام سيناريوهات متعددة، من تهدئة مؤقتة إلى تصعيد أوسع.
في المحصلة، لا يتعلق المشهد بإسرائيل أو إيران فحسب، بل بمستقبل الدور الأمريكي نفسه، حيث تقف واشنطن أمام مفترق طرق: بين إعادة ترتيب أولوياتها نحو الداخل، أو الاستمرار في نهج التدخل الخارجي.
وفي ظل هذا التعقيد، لن تُحسم الاتجاهات فقط عبر صناديق الاقتراع، بل من خلال قدرة المؤسسات الأمريكية على إدارة هذا الانقسام دون الانزلاق إلى قرارات مكلفة.